مجـتمع ابن نکتة

22.6.2019
10:00 pm.
السبت
يا صديقي، كنت أظن بأننى مجنونة إلا أن تأكدت من هذا، فبعد نقاش مطولًا شاقًا مع جدتى، والتى أصابها الصداع والإغماء من ثرثرة فتاة حمقاء كما تدعى؛ وكان كل هذا لأننى كنت أدغدغ مفاهيمها الجاهلية حول الزوج والزواج وأننى لا أؤمن بمقولة” ظل راجل ولا ظل حيطة” و المقولة الأخرى التى تجمع التشوة الفكري كله في مجتمعي” نار جوزى ولا جنة ابويا” لأننى أؤمن بأن الوقوف صامتة أمام نار الزوج اللئيم كما وصف في الحديث يعد أثم كبير وخنوع لشخص واحد يظن نفسه محور الكون، ولأنني قد أغرق في التفاصيل أکثر من غرقي في شبر ماء و لأنني على استعداد بأن أنهى علاقتي إن شعرت بإهمال أو إذدراء من ناحـيته أو إنتقاص من شخصي في إحدي تفاصيلي، كان الزواج بالنسبة لي حقل مليئ بالألغام.
وبينما هي تحاول إقناعي، ولولا تشبث الحياء بي لأطلقت لساني وتنطمقت سيفي وصحت بغباء ما تقول ولکن ألجمت فيّ و توشحت الهدوء .

يا صديقي، كانت المشكلة الأكبر والتي أحدثت ضجة حقيقية عندما سخرت جدتي من خوفي من الزواج كما تظن مدعية أن الكل يتزوج ويعيش فمن أنا حتى أتمرد على الزواج والتي أنهت حديثها بإنني إما سأصبح عانسًا وعالة عليها وعلى والدى وإما أن زواجي سينتهي بالطلاق.

ضحكت بصوت عالى الأمر الذي أستفزها وأغضبها ثم أطفئت نيرانها بإخبارها إنها قد تكون محقة لأن جيلهم كان مضحي وأکثر مناعة وصلابة إذ أن بيوتهم قامت على صبر النساء واحتملوا الضيم من أجل أولادهم ولكن للأسف أنا كامرأة اؤمن بأنني لست عادية لن أقبل بزواج يقوم على أنانية الزوج، أخبرتها بأن المشكلة تكمن في التفاصيل التي يتعامى عنها الرجل فمثلا قد أتزوج برجل جيد لا يؤذيني جسديا ولكنه يؤذيني نفسياً وأنني على يقين كما أن الأذي الجسدى يستحق انفصالًا حقيقـًا فإن الأذى النفسى مثله وأكثر؛ كأن لا يعير الرجل المرأة أي اهتمام، أو أن يشعرها بثقلها عليه، أو أن يستکثر عليها حقها في الجـلوس معه ويفضل الجـلوس مع أصدقائه أو أن يستخف بدورها كربة منزل أو أن يتسخف بالتعب الظاهر على ملامحها ليلًا وهي تخبره بحاجتها إلى دواء فيـرفض لئلا يـصرف ماله على امرأة إن لم تنزف دمًا فهي بخـير، أو يتعامل معها على أنها أداة للمتعة فقط ثم يدير لها ظهره بکل جـشعه وأنانيته و بالطبع نهرتني جدتي بقلة الحياء لأنني صرحت بجملتي الأخيرة، فضحكـت وأردفت لا حياء في الحقيقة المرة يا جدتي وهذا الذي يميز جيلنا عن جيلکم فالصمت عن أفعال أزواجکم ليست تمجيدًا للرجل بقدر أنكم عاجزين عن التمرد على حياة ليست كريمة ولطالما كان هذا هو الهدف الرئيسي من الزواج حياة كريمة تقوم على رجل وامرأة كلاهما يضحي لسعادة الآخر لا تضحية تقوم على الأنانية والتي غالبًا ما تتحمل أعباءها المرأة.

الزواج يا جـدتي ليس فقط هربًا من العنوسة أو للإنجاب، إن الزواج رواية بين رجل وامرأة يكتبان روايتهم معًا، يخطان سطورها بريشة المودة والرحمة وأول كلماتها مشاركة، إنه وعد ليس ككل الوعود، إنه ليس تنفيسًا عن ميل بدني فقط، إنه شركة وميثاق غليظ أصوله في الأرض وأفنانه في السماء والإخلاص فيه من المفترض أن يختم المشهد. قد يکون مُـرًا وقد يکون معسولًا، قد يبدل حالًا ويحيي شعورًا وقد يقتل شغفًا وقد ينبت فينا أملًا وقد يطفئ نورًا. إنه سكنًا وسكينة وليس حرب شعواء بين الرجل والمرأة.

إذ أن الزواج يصبح سکنًا وسکينة ما إن يدرک الرجل أن تلك المرأة أمانة الله في بيته وعندما تدرک المرأة أن الرجل وصية من الله لها. يکون زوجـا بحق عندما تزهر المرأة بجانبه ويقتات كليهما على شعور الحب بينهم. رجل وامرأة يكونان الملاذ الآمن لبعضهم في زمن التبعية والعهر. رجل وامرأة في أوج خلافهم تفاجئ المرأة الرجل بقبله فيباغتها بإبتسامة عفوية على وجهه الدري فيعود الحب لمجاريه. رجلًا يمازح امرأته ويستأنس بها، يسابقها وتسابقه،تهزمه مرة ويهزمها متأسين بنبينا الحبيب. رجل يجـرى في أحـلک لياليه إلى زوجته فيجد عندها الحنان، وامرأة تحصي الساعات من بعده شوقا لساعات عودته. رجـل يفهم أن کلمة جميلة وقبلة على خدها كفيلتين بأن تحـيطه المرأة بوشـاح الحـب ولا تسمح لٱحد بأذيته. رجل وامرأة يتجالسان في الخمسين كما تجالسا في أول الزواج، يشقان أول خطواتهم في الخمسين بنفس الشغف ولكن بنظرة أکثر نضج للحياة، يثمر عن هذا الحب أبناء من صلبهم فيصبحان مرفأ الحب والأمان لهم..
وما خلا ذاك ليس بزواج حقيقي يا صديقي.

نظرت إلي جدتي بتمعن ثم بدأت الولولة وبدأ الهم يدب في أوصالها وهي تندب حظها لأن حفيدتها لن تعمر في الزواج ثم أبدت خطئها وندمها لأنها طلبت من فتاة حمقاء وجاهلة مثلي أن تجـالسها، ثم بلسان مثقل أخـبرتني کم أنني مجنونة و أين لي بزواج کهذا! وكأى امرأة مسنة تلف المنديل المزرکش على رأسها وتجاعيد وجهها تبدو جيملة، ترى أن الزواج هدف يجب أن يصوب الفتيات سهامهم حوله، نظرت لي بشئ من الهم قائلة” المتعوس متعوس ولو علقوا على بيته فانوس”. ضحكت . وهنا تماما حـولت حربها المعلنة اتجاهي إلى أبي السبب في تربيتي تربية منفتحة مدعية ” البنت ملهاش غير بيت جوزها”. وضعت يدى على أکتافها وأنا ابتسم ابتسامة بلهاء وأردفت” يا مآمنة للرجال يا مآمنة للميا في الغربال”.
بإصرار أنتِ مجنونة، أنتِ مجنونة.

( أحب أن أسمع رأي وتعليق القارئ فيما أکتب) 🙂

بقلمي/ قمـرة أنـدلسـية

Advertisements

3 thoughts on “مجـتمع ابن نکتة

  1. “الزواج يا جـدتي ليس فقط هربًا من العنوسة أو للإنجاب، إن الزواج رواية بين رجل وامرأة يكتبان روايتهم معًا، يخطان سطورها بريشة المودة والرحمة وأول كلماتها مشاركة”..😍👏🏻👏🏻

    لم تكتبي سوى الحقيقة والتي أمر بها الإسلام ورضي بها المنطق السليم ولكن يصر على رفضها كل جاهل ومعاند ..

    سلمتِ يا قمرة ودام قلمك الرائع،، ووفقك الله لكل خير وبلّغك أجمل أمنياتك المنتظرة ..🌷💫

    Liked by 1 person

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s